ابن الوزان الزياتي
458
وصف افريقيا
القيروان « 133 » . وقد بناها على ساحل البحر المتوسط فوق نتوء صخري . وأحاطها بأسوار عالية قوية ، مع أبراج ضخمة وأبواب مصفحة بالحديد . كما يحتمي الميناء أيضا بصورة محكمة بواسطة أسوار جيدة . وقد وصل المهدي إلى هذه المنطقة بثياب حاج ، وحظي بترحيب السكان متظاهرا بأنه من نسل الرسول . وتوصل بعون من الشعب إلى أن ينادي بنفسه الخليفة المهدي للحصول على حظوة أكبر . ثم راح يجبي الضريبة في بلاد نوميديا الواقعة على مسافة أربعين ميلا إلى الغرب من القيروان . ولكنه وقع بيد أمير سجلماسه الذي رمى به في السجن . ولكن الأمير تأثر بالشفقة عليه ، فردّ عليه حريته ، وعرفانا منه بالجميل ، قام المهدي بقتله « 134 » . ومارس المهدي بعدئذ سلطة طاغية ، حتى أن الشعب ائتمر بقتله « 135 » . وحينئذ ظهر داعية يسمى أبا يزيد الملقّب فارس الحمار ، لأنه كان يركب حمارا
--> ( 133 ) الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي . ( 134 ) في الحقيقة لقد اقضّت الحركة الفاطمية في القرن التاسع مضاجع الخلفاء العباسيين لأن دعاتها المتحمسين انتشروا في كل العالم الاسلامي ، ولأن أحدهم ، وهو أبو عبد الله ، الذي استقر سنة 893 م في ايكجان ، شمال ستيف ، استطاع أن يثير قبيلة كتامة الكبرى وتمكّن من تحريضها وتحريض جميع أهل المنطقة على الثورة السافرة ضد أمراء القيروان الأغالبة . أما المهدي عبيد الله ، الذي كان يدعى له بوصفه إماما ومهديا منتظرا ، فإنه بعد أن غادر المشرق عام 902 م اختبأ في مصر ، ومع أنه كان مطاردا ملاحقا ، فقد استطاع أن يلحق بالمغرب ، وذلك أنه سافر متخفيا بزي تاجر خوفا من التنكيل بأسرته . وتحاشى الذهاب بقصد اللحاق بكتامة رهط أبي عبد الله وانتظر بضعة أعوام نتيجة الأحداث في سجلماسة التي كانت حينئذ عاصمة مزدهرة ، وعاصمة أمير خارجي لا يعترف بسلطة خليفة بغداد ، وبعد أن لقي ترحيبا طيبا ألقى به في السجن لأن هذه الحركة الفاطمية الشرقية أصبحت شيئا فشيئا مزعجة بالنسبة للملوك المستقلين الذين كانوا يحكمون في الغرب . وفي نيسان ( ابريل ) 909 م هزم الداعية أبو عبد الله أمير قيروان الأغلبي ، زيادة الله ، ثم ذهب نحو الغرب ، على رأس رجال من قبيلة كتامة ، الملتهبين حماسا نتيجة انتصارهم ، وقضى على الأسرة الرستمية في تاهرت ، وهزم أعداءه أمام سجلماسة واطلق سراح عبيد الله الذي نادى بنفسه إماما . وقد قتل أمير سجلماسة في المعركة ، واصطحب أبو عبد الله معه عبيد الله إلى رقادة قرب القيروان ونادى به خليفة مع لقب المهدي في كانون الأول ( ديسمبر ) 909 م . ( 135 ) يبدو أن الخلافة الفاطمية قد برهنت في البداية على درجة عالية من الحرية ، في حين يبدو أن الإسلام كما فهمه البربر في القرون الأولى كان شديد التزمت . وكان عبيد الله يطمع في المشرق . فابتداء من عام 913 م وبينما كان يجهز أول حملة ضد مصر ؛ أخذ يبحث عن نقطة في الساحل يستطيع أن يستقر فيها في طمأنينة لكي يكون لديه نافذة بحرية مفتوحة على المشرق . وابتدأت أعمال بناء المهدية في 6 حزيران ( يونية ) 916 م وما أن تم بناء أسوار القصبة حتى غادر عبيد الله رقادة . التي تخربت بعد قليل ، وجاء ليقيم في المهدية نهائيا .